ماذا لو كان الأمر متعلقا بحزب أخر مؤثر في المشهد السياسي؟ سيبدو الخبر مهم بل صادم .
في تونس نسبة كبيرة من الشعب الكريم بمن فيهم نسبة من عملة السياسة لا يعلمون أن زياد العذاري هو الأمين عام لحركة النهضة الحزب البرلماني الأول ، وحتى من يعلم بخطة الرجل لا يأخذ ذلك مأخذ الجد ولا يعتبر أن استقالة هذا "الشاب" ذي الملامح المسطحة لها تأثير على مستقبل وحتى حاضر الحركة فما بالك بالبلاد ، بل لا يعتبر خروج رموز منها كحمادي الجبالي ومورو يوما ما له اهمية وله تأثير ، المهم في كل ذلك بقاء الزعيم الأول الغشاء المطاطي الذي يحمي كرة الزجاج من التحول الى شظايا .
حركة النهضة أشبه بكرة الزجاج ، تبدو صلبة ومتناسقة ولها قدرة كبيرة على التدحرج فيراها اتباعها على نفس الحال - نسبيا - مهما غيرت وضعها وتكتيكها لكنها كرة متشظية من الداخل بها شروخ غائرة لكنها رغم ذلك محمية بأمرين :
- الأول :غشاء مطاطي سميك اسمه راشد الغنوشي يرى فيه اتباعه موسى الذي خلص اليهود من الاستعباد وأعادهم الى أرض أجدادهم حسب الرواية التوراتية ، ويرون أنه الأجدر برعاية مصالحهم وتدبير شؤونهم حتى أكثر من أنفسهم في محيط يترصدهم فيه الجميع فمثله مثل الغشاء المطاطي الذي له القدرة العالية على التأقلم والمحافظة على احتواء ما بداخله من زجاج صار هشيما ، هذا الهشيم نتج عن الضربات المتتالية التي فرضتها اكراهات التموقع في مشهد سياسي لم يغفر للحركة تورطها في العنف وتبشيرها بمشروع مجتمعي وسياسي واقتصادي اكثر خطورة من بن علي ولم ينسى نوافذها المفتوحة ولا تزال مجتمعيا على السلفية واقتصاديا على الليبيرالية المتوحشة وسياسيا على الاستبداد باسم الدين ... وهي ثلاث نوافذ أفنت اجيال من القوى الحية منذ خير الدين والحداد الى يومنا هذا حياتها لاغلاقها نهائيا .
هذا الغلاف المطاطي السميك هو الواقي الذي ما دام متماسكا فان ما يحدث في الداخل مجرد تفاصيل حتى لو كان استقالة حمادي الجبالي ذي الشرعية السجنية او مورو ذي الشرعية التأسيسية او الامين العام زياد العذاري احد الاذرع التي انغمست بها النهضة في مفاصل دولة كان محرمة على اشباهها .
- اما المهم الثاني : فهو النواة الصلبة وهي الفكرة - المشروع التي تعتبر الخيط الرابط بين جيل التأسيس وجيل الحكم، هذه النواة كانت صلبة بحيث تحملت المنفى وتحملت المجازفة بالعنف و تحملت العشريات السجنية على امل افتكاك السلطة وممارسة نفس السلوك على خصوم في مرتبة الاعداء. لكن الثورة التي حملت للحركة الحكم على طبق من فضة دون ان يكون لها اي دور في مسارها وشعاراتها واهدافها والتسرع بتطبيق المشروع واغتنام الفرصة السهلة لكن الحياتية ،عبر دستور جوان 2013 و عبر مجموعات العنف وعبر استهداف قوى البلاد الحية من اعلام بدأ يتحرر واتحاد وتنظيمات حزبية وسياسية وفنية والارتكاز على جماعات انصار الشريعة وغيرها ورياح عالمية واقليمية مواتية جعل الحركة تنخدع بظاهر المشهد ... فتغيرت الريح وتلقت ضربات موجعة في نواتها الصلبة عبر ازاحتها من واجهة الحكم و عبر التحييد التدريجي للمتحمسين للمشروع ؛المجموعة العقائدية اساسا و فسح المجال لطائفة من تجار السياسة القادرين على التلون وعلى ادانة التجمعيين اليوم واستقبالهم غدا ، التنسيق مع انصار الشريعة اليوم وتحجير نشاطهم غدا ، استعمال الروابط اليوم والتبرا منهم غدا ... وربما كان هذا النجاح الوحيد للمنظومة الحاكمة السابقة بعد الثورة حيث احتضنت النهضة و مرغتها في وحل السلطة في ممارساتها المشبوهة ... فحولتها الى رقم في قائمة الحكام الفاشلين ، فسبب هذا التلون والتمرغ ضمورا للنواة الصلبة لتبقى فكرة باهتة يعاد تلميعها كل انتخابات بدغدغة شعارات روحية او مظلومية او تخويف او لاسباب موضوعية وهي ضعف الثقافة السياسية لدى العامة والخاصة ايضا وضعف الخصوم السياسيين والسند الخارجي الذي يمثل انعاش مالي واعلامي متواصلين لها .
ان ثنائية الغشاء المطاطي والنواة هي التي جعلت هذه الخلية تتواصل رغم الضربات ورغم كل ما يعتمل داخلها .. غير ان للخلية نقطة ضعف وهي ان الغشاء سيتمزق يوما ما ولا يبدو في الافق نشأة غشاء بديل يعوضه وهو ما يعني الانشطار الذي يعني الاندثار او التكاثر في صيغ جديدة ، في المقابل النواة هي نقطة القوة فرغم الخفوت والضمور للفكرة والمشروع الا ان هذا رهين ظرف عابر قد تعصف رياح مواتية لتعيد البريق له ويجد الدعم والارضية للانتشار والبقاء وهذا رهين توازن القوى بين كل مشروع يعزز هذه النواة والمشاريع كثيرة منها ما برز خلال انتخابات 2019 وبين المشاريع التي تواصل الضرب على كرة الزجاج بل على نواتها وهي ليست مشاريع سياسية فحسب بل تربوية وثقافية وفكرية ... وهو ما يشهد تراجعا في الفترة الاخيرة .
كرة الزجاج تتحول الى رخوة تدريجيا والغشاء يهتريء تدريجيا لكن النواة صامدة امام قبضات
متراخية .
محمد المناعي