مع الأسف الشديد... مصطفى بن جعفر يتخلّف مرّة أخرى عن ركب التقدّم والتوافق
إن المثير للقلق في الحوار الوطني الذي يشرف عليه، بكل كفاءة ونجاعة وإصرار، الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين التونسيين والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، هو ما لقيه من استخفاف لدى رئيس المجلس الوطني التأسيسي ومن اتخذوه رهينة لتنفيذ تعليماتهم ودعم مناوراتهم ومواقفهم الساعية إلى الالتفاف على الدستور، مستغلين في ذلك ما سبق أن صرّح به من استحسان مبالغ فيه لمسودّة هذا الدستور. ويمثل هذا الموقف المتعنت للسيد مصطفى بن جعفر تراجعا عمّا أفضى إليه "المؤتمر الوطني للحوار"، الذي شاركت فيه أحزاب الترويكا، من توافقات هامّة في اتجاه الوصول إلى توافق شامل حول كل القضايا الشائكة المطروحة أمام البلاد وما أصبح يشغل منها بالخصوص بال التونسيين والتونسيات جميعا أكثر من أي وقت مضى. ومن بين هذه القضايا العاجلة المطروحة صلب "لجنة متابعة الحوار الوطني" المتكونة من المنظمات الاجتماعية والحقوقية المشرفة على الحوار ومن الأحزاب الممثلة في المجلس التأسيسي والتي عقدت إلى حدّ الآن ستة اجتماعات أوّلها يوم 20 ماي 2013 وآخرها يوم السبت 1 جوان 2013 بهدف الوصول إلى مشروع دستور يحظى برضاء ثلثي أعضاء المجلس التأسيسي حتى تتجنب البلاد مخاطر الاستفتاء ولا تقع فيما وقعت فيه مصر من فتنة واضطرابات عنيفة وأحداث دامية بسبب ذلك. وستعقد لجنة المتابعة اجتماعها السابع غدا الاثنين 3 جوان 2013 بمقر اتحاد الصناعة والتجارة. وبعد أن أمضى الجميع على البيان الصادر بتاريخ 25 ماي 2013 عن "لجنة متابعة الحوار الوطني"، والذي التزموا فيه بالعمل على تضمين ما ينجز من توافقات صلب مشروع الدستور قبل عرضه على الجلسة العامة، توجه كل المشاركين باستثناء ممثل النهضة (الذي تراجع عن موقفه) برسالة إلى رئيس المجلس يطالبونه فيها بإرجاء البت في المشروع إلى يوم الاثنين 3 جوان حتى يتسنى للجنة المتابعة الاطلاع على المسودة الأخيرة وإبداء الرأي فيها والتوصل إلى توافقات جديدة حول النقاط الخلافية في الدستور قصد إدراجها في المشروع النهائي. لكن السيد مصطفى بن جعفر آثر الأخذ برأي من معه من المسيطرين على "هيئة التنسيق والصياغة" - التي يتحمل فيها المسؤولية الأولى بصفته رئيسا إلى جانب الحبيب خذر بصفته مقررا - فتجاهل الرسالة ومن أمضى عليها من المشرفين والمشاركين في الحوار الوطني، بما في ذلك حزبه وحزب المقرر الذي يسنده، مصرّا على موقف الرضاء الذاتي المتعالي الذي أدّى به إلى هذا التعامل الغريب مع الأطراف السياسية والاجتماعية التي أخذت الحوار الوطني مأخذ الجدّ خدمة لمصلحة البلاد وتأمينا لما تبقى من المسار الانتقالي السلمي. فقام بتنظيم تلك المسرحية المتسرّعة والهزيلة المتمثلة في ما أسماه "حفل ختم المشروع النهائي للدستور"، والتي لا ترتقي إلى مستوى المسؤولية المنوطة بعهدته، وذلك يوم غرّة جوان 2013 ("عيد النصر"، نصر من؟) رغم معارضة النائبين المحترمين، عضوي الهيئة المشتركة للتنسيق والصياغة، العميد محمد العربي فاضل موسى من حزب "المسار الديمقراطي الاجتماعي" والأستاذ عمر الشتوي من حزب "المؤتمر من أجل الجمهورية" لقناعتهما المشتركة بأنه لا بديل عن الحوار الوطني الجدّي والمجدي للوصول إلى دستور يتفق حوله كل التونسيات والتونسيين.
أما النقاط الأساسية التي ما زالت محل خلاف في مشروع الدستور، والتي يتوقف عليها الوصول إلى دستور توافقي، فهي تتعلق بـ:
1- مدنية الدولة وتحييد المساجد ودور العبادة عن التوظيف السياسي (وكذلك المؤسسات التربوية) ؛ 2- الحقوق والحريات بما في ذلك المساواة بين المرأة والرجل، بما يتلاءم مع الأهداف التي قامت من أجلها الثورة ؛ 3- استقلالية السلطة القضائية وتركيبة ما اتفق على تسميته بـ"المجلس الأعلى للسلطة القضائية"، حتى يكون أغلبية أعضائه من القضاة المنتخبين، وكذلك بالنسبة لمشمولات المحكمة الدستورية وتركيبتها ؛ 4- النظام السياسي والتوازن بين السلط وسن الترشح حتى نترك للناخب الحرية الكاملة في الاختيار ونمنع أي عودة للاستبداد مهما كان شكله.
ومن المعلوم أن الحوار الوطني سيشمل كذلك مسألة تنقية المناخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي ومسألة تحييد الإدارة ومراجعة التعيينات التي تمت فيها على أساس الولاءات لا الكفاءات، وقضية العنف السياسي والإرهاب وما يسمّى بروابط "حماية الثورة"، ومسألة العدالة الانتقالية التي لا يجب نسفها أو تحويل وجهتها عن طريق ما يسمى بقانون "تحصين الثورة". ورغم كل ما يمكن أن يتردّد من شكوك حول نجاعة الحوار الوطني واتخاذه ذريعة لربح الوقت والإصرار في نفس النهج الفاشل، فإنه لا خيار أمامنا غير الحوار ومتابعة الحوار ومراقبة الحوار عن طريق "المؤتمر الوطني للحوار" الذي سيقع الدعوة إليه كلّما تعطل الحوار ! هذا هو قدرنا نحن التونسيين إذا أردنا أن ننقذ بلادنا من المخاطر المحدقة بها ومن السير نحو المجهول.
جنيدي عبد الجواد، من أجل تأمين المسار الوطني، الديمقراطي والاجتماعي !